عبد الرحيم الأسنوي
103
طبقات الشافعية
واتفق ذلك الوقت انتهاء عمارة المدرسة المجدية بأسنا فسأله واقفها أن يدرّس فيها تبركا ففعل ، وكان أول من درّس بها . رحل إلى مصر والشام ، وسمع الكثير ، وأخذ عن الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام الأصول والفروع ، وحقّق المذهبين معا ، ولذلك مدحه الشيخ ركن الدين ابن القوبع المالكي بقصيدة يقول من جملتها : صبا للعلم صبّا في صباه * فأعل بهمّة الصّبّ الصبيّ وأتقن والشباب له لباس * أدلّة مالك والشافعي وقوله : فأعل ، هو للتعجب أي : ما أعلاها ، ثم بعد ذلك عاد إلى قوص ، ودرّس بالمدرسة النجيبية ، وباشر القضاء فيها عن المالكية مدة ، لما كانت الثلاث يشاركون الشافعي في التّولية في المدن الكبار ، كالمحلّة ، وقوص ، ثم ترك ذلك ، واستقر بالقاهرة ، ودرس بالشافعي ، ودار الحديث الكامليّة ، والفاضلية ، وصنّف تصانيفه المشهورة ، البديعة ، وشرح أيضا « العنوان في أصول الفقه » وقطعة من كتاب ابن الحاجب في الفقه ، وشرح « مختصر أبي شجاع » في فقه الشافعية ، وكان رحمه اللّه قد أكمل كتابه الكبير العظيم الشأن ، المسمّى ب « الإمام » بهمزة مكسورة بعدها ميم ، وهو الذي استخرج منه كتابه المختصر المسمّى ب « « الإلمام » بهمزة مكسورة ، بعدها ميم ، وهو الذي استخرج منه كتابه « المختصر » بزيادة اللام فحسده عليه بعض كبار هذا الشأن ممن في نفسه منه عداوة ، فدسّ من سرق أكثر هذه الأجزاء وأعدمها ، وبقي منها الموجد عند الناس اليوم ، وهو نحو أربعة أجزاء ، فلا حول ولا قوة إلا باللّه ، كذا سمعته من الشيخ شمس الدين بن عدلان رحمه اللّه . وكان عارفا بحاله ، فلما مات القاضي تقي الدين ابن بنت الأعز ، سألوه في القضاء فامتنع فنحلوا عليه فقالوا له عن شخصين لا يصلحان عنه للقضاء . إن فلانا وفلانا قد انحصر الأمر فيهما إن لم تفعل ، والظاهر أنه كان كذلك فرأى أن قد وجب عليه القبول ، فقيل حينئذ ، وكان يكتب إلى نوابه ويعظهم ويبالغ في وعظهم ويشرط عليهم أن لا يستتيبوا إلا من اشتهر عنه معرفة الفروع ، ومع ذلك كان خائفا من درك المنصب حزينا على نفسه ، حتى دخل عليه بعض أصحابه يوما فرآه وهو حزين مفكّر ، فسأله عن ذلك فقال : يا فلان من أراد اللّه له بالقضاء ما أراد له خيرا ، ورآه بعض خيار